سرت فى الطريق متوجها إليها أحدّث نفسى
كيف سأخبرها
كيف سأبدأ
ماذا سأقول لها
كيف سيكون رد فعلها
دارت أسئلة كثيرة جدا فى خلدى ما انتهت حتى بعدما وقفت أمامها ولمست حزنها
أخبرتها أن أمانتك سيدتى فى عهدتى ما بقيت حيا
وأن ابنتك فى سلام وخير بفضل الله عليها
ولكنها عهدت إلى برسالة أخبرها لكِ
لا أدرى من أين أبدأ وكيف سأخبرك, لكن.....
ما حفظت ابنتى عهدى
ابنى قتل, أليس كذلك؟؟
أملت برأسى أن نعم قتل وواراه الثرى
فقالت بئس ما فعلت فى ولدى, وبئس ما فعل به ذووه, وبئس ما حملت له الأيام
واءسفاه على البشر, آكلى لحوم البشر, غابة يا ولدى ينهش فيها الذئاب لحم الذئاب.
بكت وأسردت تقول :
علمت بموته قبل قتله, أخبرنى مولاه, أخبرنى بما فعل ابنى بنفسه وكيف هى نهايته, وكيف أنه قطع اليد التى امتدت له بالثراء والنعيم والخير.
أخبرنى مولاه كيف راعى ولدى وكيف منحه من العلم والمال والأهل
لكن ابنى لم يرضى وأراد أن يملك كل شىء, فنهب وسرق وسبى واختلس وصار السلاح تداريه سترته, يسير بأعين من أمامه ومن خلفه, يرقب الناس من عمق بصره, يطرف بعينه طوال نومه
أظنه الآن قد ارتاح وهنأ بالأمن والسلام, فما أبكيه لأنه مات, لكنّها عيون أم ثكلاء, خافت على وليدها فأعطته للثعلب يربيه فعلمه المكر والخداع واستخدم ذكائه فى كل سوء وخلّف فطنته الطاهرة حقلا من القمامة والقاذورات, كان ينبغى حرقه وكيه بالنار.
حاولت أن أدافع عن أخيكِ, عن صاحبى فى أيام قلائل, عن رفيق وحدتى وألمى, لكنى ما وجدت له منفذا أدافع عنه, فقد أذنب وأخطأ وعرّض أناسا أبرياء للدمار والخراب.
لكننى تركتها مرددا:
مات من كان سبيله العناء , وداسه الناس من كانت أرضه جرداء, وألف القتل من عانى صدى الآهات, وكساه الأحمر من خالط دمه الشقاء, وغطاه الثرى من كانت نهايته توبة, وختامه من ذنبه براء.

أنا جالس الآن بين يديكِ
لن أسلّيكى بالقصص, لكنّنى سأحل لغز الصندوق قبل أن ترى ما فيه, هذه حياتى وحياة أخيكِ, تقابلا ولا أظن نهايتها إلا واحدة, فإن كانت قتلته وحدته, فإنى أراها تقتلنى عن قريب.
نفس الحدث فتاتى, إنسان ليس له أب أو أم, من أبوه.. لا يدرى, من أمه .. لا يدرى
رغم أن لسانه لم يفتقر يردد أمى وأبى
تستيقظ من نومك فيخبروك أن لا أبّ ولا أم
أننا فقط مدربوا الدمى الرقص
عشنا سنين العمر مخدوعين فى أحضان ليست لنا.
لا أدرى منذ صغرى لماذا نضجت خائفا متوجسا منطويا على نفسى, وحشا مفترسا هائجا على من حولى رغم كل الحنان الذى تربيت فيه والنعيم الذى نعمت به من مال ومأكل ومشرب وصحبة وعلم وأهل غير آبين علىّ.
كل مرة أنظر فى عينيها أرى دموع الحنين, دموع الشوق, دموع لقاء الغريب, أرى قلبا ينبض بالحنان والدفء
لم أتساءل لماذا رق لها قلبى, لكننى كعادتى توجست, ربما سيدة الشارع تلك تحن بنظراتها ترفقا فتميل عاطفتى ,
ربما أدركت ضعفى وانطوائى فاستغلته ولو أجبتها لن تتركنى حتى تأخذ منّى.
كنت أتركها بنظرة قاسية, وكانت تردنى بنظرة عاتبة حانية, لم أفهمها حينها, لكننى مع التوالى فهمت
عشت لنفسى بعدما علمت حقيقة الثرىّ الذى اشترانى بماله مستغلا فقر أهلى وضعف حالهم, اشترانى لأكون أنا فخره بين أهله وعزوته الغير آبهين له, علمنى وأغدق على بالعلم, منحنى كل جميل فى حياتى, لم يعلمنى الكذب فى حياتى أبدا, لم يعلمنى الخداع ولا شراء الناس واستغلال الظروف, علمنى أن أكون نفسى, أن أكون كما أريد, أن أعيش عنفوان شبابى, لكنّه لم يعلمنى أن أكون كريما أو عطوفا أو جوادا, كان يخشى على ماله وعلى تركته, فما اشترانى إلا لأكون اسما يخزن فيه تركته, نعم.. خشى من أهله وسطوتهم وسلطتهم فاشترانى من حيث لا يدرون من أين أتيت, تعلمت خارج البلاد حتى أصبحت طفلا رشيدا ببعض الفكر, قال هذا أنا أبوك وهذه أمك, وكل من حولك يريدون مالك, يريدون حياتك, يريدون تركتى.
خفت الناس وخفت من سلطان المال وخفت من سطوة نفسى, فركنت لأمى فما وجدتها إلا سيدة تنزوى إلى أهل الرفاهية والحضر, تستنكر مظهرى ومنظرى, كانت دائما تبعدنى عنها بأطراف أصابعها وتقول اذهب لأبيك
حقا كان يطوينى حضنه لكنه كان حضنا مليئا بالشوك, شوك التظاهر والمقايضات والخداع.
لم أر إلا معاداة الأهل من ظننتهم أهلى, فلذت بنفسى وجلست قريبا من مكتبتى أعدت قراءة الكتب ونهمت المعرفة, وتعلمت كيف أعامل الناس بالحسنى, بحثت عن أعمال أساعد بها الناس وأقترب منهم لا أخشى وهم قتلهم لى, فعملت بالجمعيات واشتركت بمشاريع مساعدة الفقراء والمرضى وغيرها, فعلمت أن الناس يعيشون كلا بحاله, كل منهم يحمل عبئا مهينا على عاتقه, أعنت من استطعت ووجهت الآخرين لطرق تعينهم, حتى وصلت أعمالى لأبى, فضاق منى وقال أين تبذر مالى يا مسرف
لم أتوانى أن أطلب منه مساعدة هؤلاء الناس والقرب منهم, لكنه فضل كنز الذهب والفضة, فقلت إذن إما أنا يا أبى وإما المال.
وما أن فتح أبى فيه ليجبنى حتى سارعته تلك التى كنت أدعوها أمى بالجواب فقالت
مالنا, فما اشتريناك إلا به, وما أنت هنا يا صعلوك تحمل اسمينا إلا به, فما أنت إلا ابن شارع, مهين فى أهلك, دفعت بك أمك السارقة الشحاته مقابل المال.
لم أصدق إلا أن طال صمت أبى فلم يرد عنها كلامها
خرجت من بيتهم منكبا على وجهى, باحثا عن مرعى وعن مأوى
تركتهم بعد أن تركت كلمتى لهم
( شكرا)
مشت بى قدماى إلى المدرسة التى كنت أعلمك فيها, فقابلت المدرسة التى أتت بكِ, وطلبت منها ما ان تجد فرصة عمل أن تخبرنى, فقد كانت مدرستك مشاركة معى فى أعمال الخير
حتى أخبرتنى أنى أستطيع العمل كمدرس لتعليم الأميين, فما توانيت عن الموافقة وبدأت حياتى فى مجال غير دراستى تماما, لكننى ما أردت أن أكون حضرة الباشمهندس المشترى بالمال, أردت أن أبدأ بما أحب وما علمته نفسى.
كنت أعود تائها وحيدا أحاول البحث عن أمى لربما رأيتها لربما تعرفنى لربما أعرفها لربما يحن قلبى لها وتحن لى, حتى تذكرت تلك السيدة التى كانت تترفق لى, فبحثت عنها حتى وجدتها وكعادتها كلما رأتنى لكنها هذه المرة اقتربت منى ولمستنى وبكت حينما وجدت المذلة والحسرة والألم بعينى.
سألتها من أنتِ؟
فقالت أنا أم الفتاة التى أخذتها تعلمها, ورفعتها من سوء ما كانت به, شكرا لك يا ولدى
قلت لها هل تعلمينى؟؟ هل رأيتينى من قبل صغيرا؟؟ هل لكِ ولد تائه؟؟
قالت لا يا ولدى, إنى لأذكر لك جميلك فى ابنتى فعدنى أن تحميها وأن تحافظ عليها
كانت والدتك.. نعم كانت والدتك
مذ وعدتها وأنا أحميكِ, أعيدك لداركم ليس فقط لأرد أمانتها لكننى كنت أشتاق للحنان بعينيها, كانت عيناها حاضنتى, كنت أكره أمى التى باعتنى مقابل المال, لكنى ما كرهتها مذ عرفت والدتك, ما كرهتها مذ رأيت حالكم, ما كرهتها مذ أدركت أن أمى ما كانت لتبيعنى لولا أنها رأت موتى وشيكا منى.
تلك حياتى بكل بساطة, نائه لا أدرى لى أرضا ولا أدرى لى سماء غير أنى أرغب حقا أن أعود لأحضان والدتك
......................
.وماذا سأخبرها إن قابلتها؟؟
هل أخبرها أنى لم أحفظ أمانتك؟
..............................
ذكرتينى, حيث استلمت منى رسالتك .

رغم خوف أخى من الثقة بكل من حوله إلا أنه أيقن الروح الطيبة فى معلمى, فأخذه رفيقا لسمره وحديثه, عامله كما يعامل الصاحب صاحبه, كانا يصطحبانى فى جلساتهم الثقافية وكنت أتعلم من علمهم وعلم الآخرين من حولهم, لكنّى رغم ذلك كنت أتساءل; صاحب الحراسة القوية من حوله الحاملة للأسلحة, صاحب الخوف والشك والظنون, كيف يلين لإنسان لم يره إلا مصادفة حين كان معى عائدين من السوق.
فى ليلة سمر مع معلمى فتحت معه هذا التساؤل
ماذا بهذا الصندوق؟
أو تدرى يا سيدى .. قد أعطانيه أخى وقال هو وصيتك من بعدى فاحفظيه لنفسك, قال إن فيه حياتى القادمة كلها, أراك كنت قريبا منه فى فترة قصيرة جدا, ترى هل أخبرك عن سر هذا الصندوق؟
ترى ما الحياة بداخل الصندوق؟
حياته هو أم حياتى أنا كما قال لى؟
........
أو حياة أناس مغلق عليهم بقفل مفتاحه حياة أخيكِ !!!!؟
تسمّرت
ماذا تعنى يا معلمى؟
أخوكى لم يرتبط بى لمزاياى التى لا أراها, أو لأنى لا أحمل سلاحا فيخشانى, أو لأنى أعرفك
لقد رآنى سيدك كما يرى نفسه تماما
رأى وحدة رغم كل ما حوله
رأى صمتا, رأى ذنبا أذنبه الناس فى حقه دون أن بعلم ما الذنب ولا مصدره
رأى الأيادى تنقله من هنا إلى هنا كدمية تحركها خيوط معلقة بخشبة عريضة يمسك بها آمرها, يرفع يمين الخيوط فيميل يسارها ويرفع يسارها فيميل يمينا, ما الفائدة من الميل هنا أو هنا, لا يدرى سوى أنه فقط يميل
يصفق الناس, ويطرب هو مبتسما لتصفيقهم, يصنعون منه مشهورا وهو كيس من القطن مصنوع بأيدى صانعه ذاك الذى يتخفى أعلى المسرح لا يراه أحد لكنهم يعجبون لإبداعه فى اصدار الحركات.
هكذا كنت أنا وعلى هذا مات أخوكى, إلا أنى علمت لماذا يميلون بى يمينا ويسارا فاصطفيت بنفسى وتوجهت أمامى, تحركت حركات نافعة, لم أقف ثابتا فى مكانى أنتظر نهايتى, أنتظرهم يعاقبونى على عصيانى فيقطعون رأسى, وينفرون قطنى, ويجذبون أذرعى, ويلوثون ثيابى, ثم يغرقوننى فى الحبر, فلا تظهر لى ملامح.
ما منع أخاكى من الهروب سوى أنهم لوثوا وجهه بكل ألوان الأحبار, فما رأى نفسه إلا نفاية تستحق النهاية
فوقف ثابتا, لم يغير فقط إلا ميلته, فعصا رفعة الحبال, فما مال يمينا, ولا مال يسارا, فقط وثب وثبة إلى أعلى جرح مالكه ثم ضحك وابتسم, وترك الناس يخافون منه يهربون من حوله, يبحثون عن وسيلة لقتل الشر فيه قبل أن يؤذى أبناءهم.
لكن للأسف, قتلوه فى الوقت الخطأ, كان أولى بهم أن يقتلوه قبل أن يؤذى صاحبه, كان أولى بهم أن يقطّعوا الدمية قبل أن يلطخها صاحبها زيادة بالحبر الأحمر.
قتلوه وما علموا أنه روح قد زالت غشاوتها فنطق, قال أعينونى للخير, طلب مساعدتهم ونسى الخوف الذى تركه بداخلهم, هل تعجبين لأمرهم؟؟
كان ضعفه هو خطؤه, كانت مزلته هى إثمه فى حق نفسه, كان لابد له أن يحيا ملطخا حتى تزال عنه البقع بخير كان ليقدّمه.
مات أخوكى مخطئا, فما علم للحياة معنى رغم غناه وسطوته وسلطانه وهيمنته إلا الأسى والألم.
دهشت وما أجبت إلا
هكذا كان رباطى بأخى دون أن يعلم حقيقة رباطنا
كانت هى
هى فقط
وحدتنا

ساعدنى مدرسى فى المرور من ظلمة الأيام الأولى بعد فراق أخى, كان منّى بمثابة المتغير الذكى الذى أراه فى نهم الدنيا وحشاها, يتسابق الكل ليملىء نفسه بما تطيب لها من ملذات, يركع لها وربما يسجد متعبدا لترضى, يضحى بالقرابين وليتها ترضى, لا قناعة فى بنى البشر, لا عفو بين الناس ولا غفران, لا حياة فيهم سوى حياة الغابة ينهش كلاً لحم الآخر, المهم له أن يرضى عنه ملكه, امبراطوره, نفسه وأن يشبعها من حياة الآخرين لها حيوات.
لم أر سوى معلمى هذا, كان كالنور فى ظلمة الأيام, رغم وضح الشمس كل يوم إلا أنها كانت تختفى عنى تميل خلف سحابات أو كأنها تأخذ من القمر ساترا كل يوم لتختفى فى كسوف عن أفعالنا, كأن المتغير الكونى الغريب عنا أن نراها ساطعة تنير دواخلنا وتنثر روح الحياة فينا.
رغم الضباب يغشى عينيه, رغم السكون الدائم والصمت, أراه لى نبراسا للحياة وأملا جديدا يرمقنى .
صادفتنى مقابلته فى الحىّ المجاور للسوق بالقرب من الضاحية التى كانت تقع فيها فيلا أخى
وتحدّثنا طويلا عن حالى وتقدمى فى القراءة والكتابة
كنا نلتقى كثيرا, كنت أتمنى أن يكون بحرا عميقا جدا أنثر فيه أسرارى فتغرقها المياه, لا يصل أحد لقاعه
لكننى لم أرد أن أعيد آلامى فى ظل حياتى الوردية المليئة بحنان الأخ وبالحب.
قدمته لأخى وكانا يتبادلان الحديث فى أمور الدولة وأحوال البلاد وثقافة العالم مما كنت أجهله وقتها
كان مرحباً به دائما من قِبَلِ سيّدى ( أخى ), كانا يقطعان أشواطا فى الحديث, فى السمر, فى اللعب, فى كل مشترك بينهما.
وما أن حدث ما حدث وعلم معلمى به حتى أتانى وأنا أجلس أمام قبر أخى وأخذنى بحاجاتى البسيطة إلى السكن الذى أجرته, كان مجاورا لسكنه فكان يمر علىّ نهارا يسألنى إن أردت شيئا, ويمر علىّ ليلا ءانس به ويأنس لصحبتى حتى يغافينى النوم فيطفىء الأنوار ويرحل إلى سكنه حتى يحل شروق يوم جديد.
وعاودتنا آفة الذكريات, سألته فى سمرنا ليلة وماذا عنك؟
لماذا تغشى عينيك سحابة زاخرة بدموع تثقلها ولا تنهمر؟
لماذا أراك عبوسا قاطبا رغم ابتسامتك ؟
لماذا أرانى دائما فى مرآة وجهك؟
وتدور دفة الحديث ليحمل هو سؤالا, لماذا كلما رأتنى أمكِ بمرسالا لكِ أصابها سهم كأنه يحمل بمقدمته قنبلة مسيّلة للدموع, تبكى بفرح, تهلل بقدومى, تجلس مهمومة وإذا ترانى تهلل؟
ربما لأنها تعلم أنّك حاملٌ مرسالى
لا, فما كانت أحضانها إلا حنانا وشوقا
وما كانت نظراتها إلا لقاء بعد غربة
وما كان انتظارها إلا لى كلما مررت للمدرسة حتى وأنتِ لا تزالين ببيتك
اصطنعت سؤالا فما طاوعنى فيسألها, وحالفنى الصمت ككل حياتى بلا رافد, لا يهمنى لها مذاقا ولا معنى.

بداخل القبو النافذ من غرفة تملؤها مخلفات الفيلا من الأثاث وغيره, أعطانى أخى صندوقا وقال ( هذا أمانتكِ, فافتحيه بعد قتلى, ولكِ كل ما يحويه )
نظرت بعجب لهذا الصندوق الصغير الحجم الكبير السر, ترى ماذا بداخلك؟
أطفأنا مصباح القبو وأغلقنا منافذه كما دخلناه, وسرنا نتحسس فى الظلام, وبينا نحن على أولى درجات السلم المتوجه للغرف فى الأعلى, إذ سمعنا همساً وحركة تحيط مدخل الفيلا, شد أخى على يدىّ وقال ( هنا تقترب النهاية ) .. فزعت من قولته التى لم أعيها, سوى أنى جذبته بقوة نعود إلى القبو فنختبىء فيه, لكنه دفعنى تجاه الباب الخلفى للفيلا قائلا ( ليس لكِ ذنب أن يحويكى قبرى )
وفجأة دفعنى بقوة يدافع بها قوتى فى صده عن اخراجى والحاحى على ابقائى معه, ليدفعنى مرة أخرى فأسقط مغشيا علىّ أردد لنهرب سويا أخى .. أخى .. أخى
أفقت بتنبيه إلهىّ أرسله فى قطرات المطر المتساقطة, لأجد الفيلا مستنارة من ظلمتها, لكن بئسا له من ضوء, فقد كانت النار هائجة متوهجة من الفيلا, والطلقات النارية متتالية, تدب أصواتها بالجوار.
أدخل هلعا باحثة عن أخى, لأجده مستلقيا بالقرب من الدرج تسكن جسده الرصاصات, وملابسه كأنها تذرف الدم باكية عليه, وأنا فى غيبٍ عن وعيى أهزه هزا قويا, أتحدث إليه أرجوه ألا يتركنى, أحدّثه عن حقيقته وحقيقة أخوّتى وأمنا وإخوتنا, حتى طلّ بمنافذ عينيه المليئة بظلمة منتقلة إليها من ظلمة العالم بأسره, ويبتسم ثغره يبعث بروح الأحرف
( كنت دائما أراكى هكذا, فإلى لقاء قريب )
ومات بين يدى وثغره الباسم فى عينىّ والمعول يطرق من تحته يحفر قبرا مقر اشارته إليه.
انتهيت من الدفن وجلست لجواره أدعو طول الليل, ودنا النهار منا, فلملمت حاجتى من أطلال سعادتى التى لم تطل عامين.
كتبت مرسالا إلى أمى أعلمتها بمقتل وليدها, وأرسلته مع مدرسى (ذاك الذى كان يتابعنى فى فصول محو الأمية ) يقرؤه عليها , رسالة من سطرين
قُتِل ابنُكِ
ولا أدرى, هل جانى أم مجنى عليه ؟
لم تلتهم النار بعض الأشياء من البيت, ولم تعرف طريق القبو.
جمعت ما بقى وبادلت به سكنا قريبا من غرفة وما يلزمها لمدة أسبوعين
وجلست من جديد وحدى أقلب ذكرياتى وأعيد أجمل اللحظات وأنا أبحث داخل الصندوق بعين لا ترى سوى قفلا ومتراسا عليه.

إن كان البحر حياتنا التى اخترنا الإبحارَ فيه, وسكونه فى ليلة شتاء صدرك تدفئنى فيه, وموجاته العاتيات هموما تدافعت تغرقنا فيه.. فإنى أثق بك لأجدنى دوما بأحضانك تبحر بى لشطه الأمين.. أما قلت لى ياقدرى يوما أنك تستطيع السباحة والغوص فيه !!

شِـــق الـقــــمر


تنظر إلى الضوء من بعيد وتسمو بنفسك لتكون مصدر الضوء
ترقى لتنشر شعاعك فينير منهاجا فى ظلمة الليل
تلفت بعينيك فلا تجد إلا قوسا من القمر يبث ضياءه إليك
تعجب تندهش.....!!!!
ما باله لا يكتمل ليصبح ذاك البدر وضاحا ينثر من إشعاعه فيضىء طريقك والكون
وتتساءل وتنكر على الشمس قدرة انعكاس ضوئها لتمنح القمر دائرة الضوء
فيلحق الشق بك ليخبرك إذا ما توازعت نسمات ضوئى على سطح كرتى لتاه إشعاعى فى عتمة الضوء
فلا تنظر لسعةٍ دون وضوح ولكن اتبع ضوئى فستنظر الكون جلىّ
ذاك أنا لست البدر ولكنّى أحمل من التركيز ما يكفينى لينسبنى لصاحب الجمال ورومانسية الشعراء
ينسبنى لعالم السنان بين الكبار
ادعونى كما تدعونى
ولكن لا تنسوا
فضوئى نبراس
ذاك أنا أحمل طوق الضياء
وذاك مسماى
فأنا
شق القمر

متلـصـصــون

إننى على موعد مع الربيع


تنعزل عن العالم كله..تخشى العالم كله..ترغب فى ركن ولا تجده..تثور عليك معدتك..تشعر بألم بها يزيدك اضطرابا..يعلن هيجانه..يعلن صيحته..يغضبك..ينال منك

لا جديد فى بيتك..لا تغيير فيمن حولك..تريد أن تتغير..تريد أن تتقدم .. والكل واقف حولك

لتعود إلى حيث هم..وتقف وحدك..تبكى ولا تدرى هم أم أنت!!؟؟

قلبك الحنون , المجنون , الثائر , الملىء بالصخب والمجون يدور فى دائرة المجهول

ترى هل أحد يدرى ما به من صنوف... وما يدور حوله من دروب ..!!؟

تعاند , تثور , تلين , تغضب , تهجو , تمدح , تنتقد , تتكلم , تصمت ولا تتحدث , وفى النهاية

تتوحّـــد

إلى الشاطىء المقابل

نضحك.. وهل للضحك وظيفة إلا الإخفاء... .. فيا صانعا بسمتى (قلبى) حان لك أن تغلق الأدراج.. أن تسدل ستائر غرفة الماضى السوداء.. أن تخرج من غابات ليلك.. من صرخات مخاوفك.. أن تصم آذانك عن دوىّ موسيقاك المزعجة, قعقعات الأبواق, صرير صانعى السيمفونيات, دبيب أقدامهم, وعويل المطارق..



حان لك أن تبعث شمس الحاضر الدافئة من خلف الغيميات.. عد إلى مرسمك, أطلق لإبداعك العنان, وانثر الأخضر والأحمر وأطياف الروح.. بعثرها فى كل مكان, وانشر رياحين الجنان الغناء, وتنسم عبير مستقبلك النقى قادما إليك من نوافذ سماواتك الشفافة بطهرة المحيطات الزرقاء.. حرك برياحك سحبا فى كل مكان وامطر الأرض كسفا تسقى الميتة حبا وخيرا وجمال..




أحبــك


ءأمتعك التلصص!!؟